بايرن ميونخ يهرب من فخ إلفرسبيرغ بثنائية قاتلة… وكاين يكسر صيامه في اللحظة الحاسمة
بقلم: د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport
لم يكن الرقم "1-2" على لوحة نتائج الجولة الثالثة من الدوري الألماني مجرد حصيلة عابرة، بل كان شهادة ميلاد لصراع لم يكن أحد يتوقع أن يُكتب بهذا الشكل قبل موسم واحد فقط. في ملعب "أورسافارم أرينا" الصغير بمدينة شبيزن-إلفرسبيرغ، وقف النادي الأصغر في الدوري وجهاً لوجه أمام حامل اللقب، ولم يكتفِ بالحضور، بل كاد أن يصنع مفاجأة تُخرِج بايرن ميونخ من عليائه المعتاد.
اللقاء الذي لم يكن على الورق
القصة تبدأ من الجدول قبل صافرة البداية، لا بعدها. فريق فينسنت كومباني لم يكن يتصدر الترتيب، بل كان في المركز السادس برصيد أربع نقاط بعدما تعثر في التعادل السلبي أمام شالكه، بينما كان إلفرسبيرغ النادي الصاعد حديثاً إلى الدرجة الأولى يتقاسم صدارة الترتيب المؤقتة برصيد ست نقاط، بعد فوزين مثيرين: 3-2 على ملعبه أمام باير ليفركوزن، ثم عودة أسطورية بنتيجة 4-3 في ضيافة بوروسيا مونشنغلادباخ. سبعة أهداف في مباراتين تكفي لتفسير الجرأة التي دخل بها الفريق الصغير مواجهة العملاق، في أول مواجهة رسمية تجمع بين الناديين في التاريخ.
هذه ليست مجرد إحصائية عابرة، بل هي مفتاح لفهم ما جرى على أرض الملعب: بايرن لم يواجه فريقاً "ضيفاً خفيفاً" يكتفي بالدفاع، بل واجه خصماً يؤمن بالهجوم المباشر والاستحواذ على الكرة الثانية، وهو ما جعل الشوط الأول اختباراً حقيقياً لأعصاب الفريق البافاري.
كارل يفتح الطريق، وحكم يلغي فرحة مبكرة
جاء الهدف الأول في الدقيقة 26، حين مرر إسماعيل سايباري كرة عرضية تفلتت من قلب دفاع إلفرسبيرغ لتصل إلى لينارت كارل عند القائم البعيد، فسددها في مرمى خالٍ لتصبح النتيجة 1-0. بدا الأمر وكأنه بداية مباراة تقليدية بمقاييس بايرن: سيطرة على الاستحواذ، وضربة قاتلة مبكرة تُنهي الإثارة قبل أن تبدأ.
لكن إلفرسبيرغ رفض النص المتوقع. الفريق المضيف واصل الضغط، وخلق فرصاً حقيقية رغم فارق الإمكانيات، حتى إن هدفاً سجله كول كامبل قبيل نهاية الشوط الأول أُلغي بداعي التسلل في قرار أثار جدلاً واسعاً، وكاد أن يغيّر مسار المباراة بالكامل لو احتُسب.
كراتنماخر يعيد الحسابات… ولحظة الحسم تأتي من حيث يعرفها الجميع
الشوط الثاني حمل المفاجأة الحقيقية: موريس كراتنماخر، الذي خرج سابقاً من أكاديمية بايرن نفسه، سدد كرة رائعة من خارج منطقة الجزاء في الدقيقة 61 مرت من فوق يد يوناس أوربيغ لتسكن الشباك وتُعيد التعادل 1-1. للحظات، بدا أن التاريخ على وشك أن يُكتب من جديد، وأن الفريق الصغير قادر على انتزاع نقطة أو حتى الثلاث كاملة من أعتى أندية القارة.
هنا فقط، استفاق بايرن. كومباني لم ينتظر طويلاً، ودفع بأوراقه الهجومية دفعة واحدة: جمال موسيالا، لويس دياز، وجوشوا كيميش، في تبديلات غيّرت وتيرة المباراة بالكامل وأعادت الكرة إلى منتصف ملعب إلفرسبيرغ بشكل شبه دائم. الضغط أثمر في الدقيقة 72، حين وجد هاري كين نفسه في زاوية ضيقة داخل المنطقة، وسدد كرة سكنت الشباك لتمنح بايرن التقدم 2-1 وهو أول هدف دوري لكين هذا الموسم، في توقيت لا يمكن أن يكون أكثر دلالة بالنسبة لمهاجم يُنتظر منه دائماً أن يحسم المباريات الكبرى.
أرقام تكشف الحقيقة الكاملة
الإحصائيات النهائية تروي قصة مختلفة عن الشكوك التي أثارتها المباراة: استحوذ بايرن على الكرة بفارق واسع، ونفّذ 754 تمريرة بدقة 92% مقابل 245 تمريرة فقط لإلفرسبيرغ بدقة 76%، ولمس منطقة الجزاء الخصم 65 مرة مقابل 10 لمسات فقط للمضيف، إضافة إلى تفوقه في الركنيات بواقع 9 مقابل 3. أربع فرص خطيرة صنعها بايرن مقابل فرصتين لإلفرسبيرغ، لكن الفريق البافاري أهدر ثلاثاً منها قبل أن يحسم الأمر في الدقائق الأخيرة.
هذه الأرقام تضع المباراة في سياقها الصحيح: لم يكن إلفرسبيرغ يملك الكرة أو المبادرة لفترات طويلة، لكنه أثبت أن الكفاءة الدفاعية والانضباط التكتيكي قد يقلبان موازين مباراة تبدو محسومة على الورق. ماكسيميليان رور، قائد خط دفاع الفريق المضيف، قدّم واحداً من أفضل عروضه الموسم بـ13 مساهمة دفاعية، ليكون الأجدر بلقب رجل المباراة رغم الهزيمة، في مؤشر على أن العروض الفردية لا ترتبط دائماً بالنتيجة النهائية.
ماذا يعني ذلك للترتيب؟
بالفوز، يقفز بايرن ميونخ إلى صدارة أو مقدمة الترتيب برصيد سبع نقاط، مصححاً مسار بداية موسم لم تكن بالمستوى المعتاد لبطل الدوري. أما إلفرسبيرغ، فيتلقى أول هزيمة له في الدوري الألماني منذ صعوده التاريخي، لكنه يخرج من المواجهة برأس مرفوع ورسالة واضحة لبقية المنافسين: هذا الفريق لم يصعد للدرجة الأولى ليكون رقماً هامشياً، بل ليقاتل في كل مباراة حتى النهاية.
بايرن، من جهته، ينتقل الآن إلى مواجهة أخرى صعبة أمام يونين برلين، في اختبار جديد لفريق كومباني الذي يبدو أنه ما زال يبحث عن الانسجام الكامل رغم النتائج الإيجابية.
خلاصة تحليلية
ما جرى في "أورسافارم أرينا" لم يكن مجرد فوز آخر يُضاف إلى سجل بايرن الحافل، بل كان اختباراً كاشفاً لحقيقة الفريق البافاري في مطلع الموسم: عملاق يملك الأسلحة الكافية للحسم في اللحظات الأخيرة، لكنه ما زال يفتقد ذلك التدفق الهجومي الذي اعتاد عليه جمهوره في السنوات الماضية. وفي المقابل، أثبت إلفرسبيرغ أن رحلته في الدرجة الأولى لن تكون رحلة عبور هادئة لأصحاب الأسماء الكبيرة، بل اختباراً حقيقياً يفرضه فريق صغير بعقلية لا تعرف الخوف.